شاهدت بالأمس

Slumdog-Millionaire-f04

قضيت وقت ممتعاً بالأمس مع فيلم أقل ما يقال عنه أنه رائع وهو فيلم المليونير المتشرد "Slumdug Millionaire" وهذا الفيلم لا يستحق المشاهدة فقط لأنه أول فيلم هندى يحصل على جائزة الأوسكار برغم أنه دافع قوى يحرك فضولك للتعرف عليه وعلى سبب حصوله على جائزة بهذا الحجم، ولكن أيضاً يستحق المشاهدة لما يتميز به من نسيج نادر منسوج ما بين كل الأطراف المشاركة فيه ليتحول الى تحفة حقيقية تجعلك لا تحس معه بمرور الوقت ولا يتسرب الملل اليك أثناء المشاهدة.

لا أعلم من أين أبدأ السرد ولكن سأبدأ بالمخرج الذى نفذ هذه التحفة، فطريقة سرده للقصة كان مختلفاً وأيضاً مبرراً، فاستخدامه لطريقة "Flash back" لسرد القصة كان متقناً لحد بعيد وحتى لا يلتبس الأمر على من لم يشاهد الفيلم فسأقوم بسرده سريعاً.

هو يحكى عن شاب يعمل فراش بشركة اتصالات "Office Boy"  فاز لتوه بالجائزة الكبرى ببرنامج من يربح المليون ليصير مليونيراً فى لحظات وهذا بالطبع ليس منطقياً بفتى لم يكمل تعليمه وعاش متشرداً أغلب حياته أن يفوز بجائزة تعتمد على الثقافة للربح ولهذا تدخل المخرج ليبرر هذا المشهد بطريقة "Flash Back" فلقد لخص حياة هذا الشاب فى عدة لقطات يمثل كل مشهد فيها إجابة لأحد الأسئلة التى تعرض لها بالبرنامج .

ماذا فعل لينال توقيع الممثل أميتاب باتشان وكيف عرف ما يحمله المعبود راما فى يده وكيف تعرف على مُلحن الأغنية المعروفة وكيف علِم من هو مُخترع المسدس وكيف عرف لمن تعود صورة الوجه التى على عملة المائة دولار وكيف فشل فى معرفة معنى الرمز الموجود على علم بلده واستعان بمساعدة الجمهور ليجيب . قدم المخرج فكرته عن حياة الشاب وما عاناه ويعانيه الكثير من الأطفال فى المناطق الفقيرة من العالم وليس فقط فى الهند وسلط الضوء على كثير من المشكلات التى تعانى منها الانسانية من اضطهاد الأقليات والتصفيات العرقية والدينية والاتجار بالأطفال والرقيق الأبيض والفقر والجهل على الرغم من التكنولوجيا والثراء الفاحش وسلطة الرأسمالية المنفردة على عالمنا.

قدَّم المخرج كل هذه المشكلات بطريقة سلسة وبسيطة دون أن يغرقنا بكثير من التفاصيل التى جميعنا يعرفها ولكننا نتعمد عدم رؤيتها وإنكار حقيقتها، قدمها لنا فى صورة شاب مر بالكثير من هذه المآسى بعد فقد أمه وأيضاً أخيه النذل الذى باع كل شئ مقابل المال وظن بأن ركعتين يصليهما لله مع اقراره بالذنب كافيتان لمحو ذنوبه دون الرجوع عن الطريق الذى يسير فيه.

وفى النهاية نقتنع تماماً بأن هذا الشاب استطاع ان يصل لهذه المرحلة من المسابقة بلا غش أو خديعة وأن فوزه كان مستحقاً وبذلك ينتهى دور السرد العكسى لينتقل المشاهد مع المتسابق الشاب للمرحلة قبل الأخيرة من المسابقة وهو سؤال العشرة مليون روبية لنفاجأ جميعاً بأن الشاب لا يعرف الإجابة ولم تتعرض حياته القصيرة المليئة بالأسى والحزن لموقف يحفر داخل ذاكرته إجابة مثل هذا السؤال.

وفجأة تظهر له يد لتساعده فى خلسة من كاميرات التصوير، يقدم مقدم البرنامج نفسه لمساعدة الشاب بأن يمنحه الاختيار الذى سينجيه ويجعله يفوز بالعشرة مليون روبية وبعد مراوغة بسيطة للشاب على كرسى المسابقة بأن حذف إجابتين من الأربعة ليظل الاختيار بين الإجابة التى سربها له مقدم البرنامج وبين إجابة أخرى وبعد تفكير بسيط يفاجئنا الشاب بأنه اختار الإجابة الأخرى صادماً مقدم البرنامج الذى يغرق فى اندهاشه ويخيم الصمت …

ويفوز الشاب من جديد صارخاً بفكرة جديدة يطرحها المخرج بأن الشاب تعلم فى حياته القصيرة بألا يثق لكل يد امتدت له بالمساعدة إلا بعد التأكد من نظافة هذه اليد وطهارة مقصدها. درس جديد

يصدمنا الشاب مرة أخرى بنهاية الفيلم ومع السؤال الأخير بأن هدفه لم يكن يوماً المال بل ببساطة العائلة والحب الذى ظل دائماً يبحث عنه . فى حبيبته التى فرق القدر بينهما أكثر من مرة والتى هى أجمل امرأة فى الدنيا بالنسبة له. اشترك فى البرنامج فقط لأنه اعتقد بأنها ستشاهد البرنامج وستراه وسيستطيع أن يعرف مكانها. لذا كان هذا تبريراً مقنعاً للهدوء الذى خيّم عليه طوال المسابقة واللامبالاة التى تعامل بها مع مقدم البرنامج لأنه ببساطة لا يسعى للمال بل بحثاً عن معشوقته وفى إجابة صارمة عن السؤال الأخير بأنه لن ينسحب وسيجيب عن السؤال الأخير برغم أنه لا يعرف إجابته ويتصل بصديق الذى لا يملك غيره وهو أخوه ليفاجأ برد حبيبته عليه لتطمئنه بأنها تشاهد البرنامج وبأنها بأمان ولتجهز علينا هى الأخرى لتخبره ببساطه وسعادة بأنها لا تعرف إجابة السؤال !!! من هو اسم الفارس الثالث بإحدى الروايات التى طالما عرضت على الشاب فى صغره فى المدرسة لكنه بكل أسف لا يعرف الإ اسماء فارسين والثالث لم يعلمه أبداً .

تنتهى القصة بمغامرة غير محسوبة لينهى الشاب الموقف باختياره أحد الاختيارات بسرعة وبدون تفكير وفى حزم لتعصف بعدها الأفراح كل الهند وليعلن بفوز الشاب بالجائزة الكبرى ويحقق حلم كل حالم فى الهند بالثراء ، أما الشاب فكان حلمه لم يكتمل إلا بلقاء المحبوبة على محطة القطار التى كان ينتظر قدومها يومياً هناك لينتهى الفيلم ببساطة.

ما أعجبنى فى الفيلم هو عدم المبالغة فى إظهار المآسى ولم يثير اشمئزاز المتفرج ببعض مشاهد الاغتصاب أو القتل أو الشذوذ أو تعاطى المخدرات كما تستهوى هذه المشاهد مخرجينا الأفذاذ ولكن المخرج اكتفى ببعض الصور البانورامية للمحيط التى تدور فيه الأحداث وترك لك حرية توقع ما يمكن أن يوجد بين هذه الحوائط المتلاصقة والمتهالكة والزحام الشديد

ما أعجبنى فى الفيلم أن المخرج لم يحمل بطل الفيلم أكثر من طاقته فلقد كان له هدف واحد ومحدد وهو انقاذ محبوبته التى تعنى له كل شئ وأهم عنده من الحياة نفسها دون مزايدات واسقاطات على نظام فاسد أو خلل طبقى أو .. أو .. أو . فلقد أنهى البطل الفيلم بجملة محدده ( إنه قدرنا ). ما علينا

1 comment:

Anonymous said...

فيلم جميل ويستحق المشاهدة